القرطبي

24

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فقوله : " خلقت الملائكة من نور " يقتضى العموم . والله أعلم . وقال الجوهري : مارج من نار نار لا دخان لها خلق منها الجان ، والسموم الريح الحارة تؤنث ، يقال منه : سم يومنا فهو يوم مسموم ، والجمع سمائم . قال أبو عبيدة : السموم بالنهار وقد تكون بالليل ، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار . القشيري : وسميت الريح الحارة سموما لدخولها ( بلطفها ( 1 ) ) في مسام البدن . قوله تعالى : وإذ قال ربك لملائكة إني خلق بشرا من صلصل من حما مسنون ( 28 ) فإذا سويته ونفحت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ( 29 ) قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة ) تقدم في " البقرة ( 2 ) " . ( إني خالق بشرا من صلصال ) من طين ( فإذا سويته ) أي سويت خلقه وصورته . ( ونفخت فيه من روحي ) النفخ إجراء الريح في الشئ . والروح جسم لطيف ، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم . وحقيقته إضافة خلق إلى خالق ، فالروح خلق من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما ، كقوله : " أرضى وسمائي وبيتي وناقة الله وشهر الله " . ومثله " وروح منه " وقد تقدم في " النساء ( 3 ) " مبينا . وذكرنا في كتاب ( التذكرة ) الأحاديث الواردة التي تدل على أن الروح جسم لطيف ، وأن النفس والروح إسمان لمسمى واحد . وسيأتي ذلك إن شاء الله . ومن قال إن الروح هو الحياة قال أراد : فإذا ركبت فيه الحياة . ( فقعوا له ساجدين ) أي خروا له ساجدين . وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة . ولله أن يفضل من يريد ، ففضل الأنبياء على الملائكة . وقد تقدم في " البقرة ( 2 ) " هذا المعنى . وقال القفال : كانوا أفضل من آدم ، وامتحنهم ( الله ( 1 ) بالسجود له تعريضا لهم للثواب الجزيل . وهو مذهب المعتزلة . وقيل : أمروا بالسجود لله عند آدم ، وكان آدم قبلة لهم .

--> ( 1 ) من ى ( 2 ) راجع ج 1 ص 261 ، وص 291 قما بعد . ( 3 ) راجع ج 6 ص 22